اخر تحديث للموقع : 2014-01-29

التنمية وبناء السلام

Untitled document

بحث أعدته بوليت حزوري 

شغلت مشكلة الحرب والسلام الفكر البشري مع بداية مغامراته ومنذ معايشته للأشكال الأولى من التصادم والتقاتل التي عرفتها البشرية. ويكمن سبب هذا الإنشغال في أن هذه الحالة الإجتماعية هي ظاهرة عامة ملتصقة بالنشاط البشري وسمة بارزة دائمة الحضور في الحياة السياسية للدول والشعوب، وتمثل في الوقت الراهن تحدياً حقيقياً ومعضلة كبرى تثير مشكلاً فلسفياً له علاقة بالحياة والموت، وتهتم به الإستراتيجيا والإيتيقا والتحليل النفسي وعلم المستقبليات وعلم الإقتصاد وعلم الحرب Polémologie.[1]

هذه العلاقة الجدلية بين الحرب والسلام كانت المنطلق الرئيسي لتطور البشرية وبالتالي المجتمعات. فجذور الحرب تكمن في أعماق السلام، كما أن بوادر السلام يمكن أن تنطلق من صميم الحرب. ولما كانت الحرب والنزاع بمختلف أشكالهما سمة من سمات الحياة الإنسانية، ووسيلة من وسائل تعديل النظام الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وأداة لتحقيق توازن القوى بين ما نريد وما يمكن أن نحصل عليه، إختلفت الآراء والتوجهات في تعريف مفهوم السلام، كما اختلفت في توضيح ورصد أسباب إحلاله وكذلك انهياره، وهو كأي مفهوم آخر تعددت تعريفاته تبعاً لتعدد استخداماته وأغراضه؛ لكن يبقى السلام من وجهة النظر السياسية والعسكرية يعني في أبسط معانيه "غياب الحرب".

وتأتي الإسهامات الفكرية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وتصوراته حول بناء سلام عالمي في كتابه "مشروع السلام الدائم" لتؤكد فكرة أن السلام هو حق إنساني اساسي وهدف كوني ينبغي الوصول إلى تحقيقه لكونه يشكل قمة الغائية السياسية والقانونية[2].غير أنه نتيجة التقدم السريع الذي شهده عالم آخذ في التبدل في ظل تطور الثورة العلمية والتكنولوجية مع نهاية القرن العشرين، أصبح من الصعب تحقيق حيادية ظاهرة بذاتها عن الظواهر الأخرى ، إذ لم يعد مفهومالسلام يدل فقط على عدم وجود الحرب، بل أصبحت للسلام أبعاد عديدة ترتبط بها إشكاليات كثيرة لم تعد تقتصر على المدلول السياسي والعسكري فحسب، بل امتدت لتشمل أيضاً المدلول الإجتماعي والثقافي والإقتصادي والبيئي.

فمع نهاية الحرب الباردة وسقوط نظام الثنائية القطبية بانهيار الإتحاد السوفياتي، برزت أشكال جديدة من النزاعات ساهمت في تطوير مفهوم السلام بحيث لم يعد يقتصر على مجموعة من الاستراتيجيات والآليات اللاحقة للنزاع والحرب، أي تهدئة الأوضاع وحل النزاعات ووقف الحروب، بل أصبح مفهوم السلام يحمل معنى استباقياً متضمناً معالجة أسباب الحرب وآثارها لمنع قيامها من جديد.

هذا ما أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الصادر في العام 2005، بحيث أكد على أن عدداً لا يستهان به من البلدان الخارجة من الحرب تنزلق مجدداً إلى أتون العنف في غضون خمس سنوات. لذلك فإن بناء السلام بعد نهاية النزاع يعتبر شكلاً بالغ الأهمية من أشكال الوقاية لكنه مع ذلك غير كاف، بحيث يعتبر منع إندلاع الحروب ومعالجة أسبابها هدفاً أساسياً وأولياً. وضمن إطار الإستراتيجيات الأكثر فاعلية واستدامة في السعي إلى بناء السلام وتخفيف أثر النزاع وإستباقاً لعدم إندلاعه مجدداً، توفر "التنمية" الأساس المتين للتمكين الإجتماعي والإقتصادي والسياسي بهدف القضاء على مصادر النزاع  من خلال دعم الإستقرار الذي يسهّل بدوره تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة عبر تعزيز مبادئ الحكم الرشيد في البلدان التي تعاني من النزاعات والأزمات وبخاصة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بإعتباره النهج الفعّال لتحقيق التنمية وشرطاً أساسياً لتمكين الدولة وبناء السلام المستدام.

وبدوره عاش لبنان منذ أكثر من عقدين حرباً أهلية أدت إلى انهيار كامل لكل مجالات الحياة، صاحبتها عدة اجتياحات إسرائيلية للأراضي اللبنانية في فترات متقطعة انتهت باحتلال إسرائيل للجنوب اللبناني حتى العام 2000.  ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا لا يزال لبنان يشهد الكثير من النزاعات والإضطرابات التي تراوحت أسبابها ما بين سياسية وأمنية وإجتماعية وإقتصادية، تسهم في إضعاف إستقراره وزعزة أسس العيش السلمي بين كل أطرافه وتفرض عليه مواجهة تحديات تنموية شاملة لكل القطاعات، وتجعله عرضة لتهديد متواصل من إمكانية العودة إلى مراحل الحرب وويلاتها.

وعليه، لما كانت عملية بناء السلام تأتي بعد مرحلة الإنتهاء من النزاع وتفرض أولاً معالجة أسبابه، كيف تؤثر التنمية ببناء السلام، وكيف تنعكس تحدياتها وإصلاحاتها على استكمال مشروع بناء السلام وتثبيته؟ هذه هي الإشكالية الأساسية التي سنعمل على معالجتها في هذه الدراسة التي حملت عنوان: "التنمية وبناء السلام".

وتنطلق هذه الدراسة من ركائز علمية أساسية ، كونها تسلط الضوء على قضايا حيوية ترتبط بمستقبل الإنسان وأمنه وازدهاره، وتشمل دراسة "التنمية" بأبعادها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وانعكاساتها على مشروع بناء السلام الذي يشمل بدوره إتخاذ إجراءات متكاملة ومنسقة تهدف إلى معالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع، وإرساء الأساس لسلام دائم. وعليه ، لما كانت التنمية تعالج هذه الأسباب، فإنها تشكل صمام الأمان لعملية بناء السلام من جهة، كما أنها من جهة أخرى  قد تقوّضها وتعتبر من أهم معوقات بناء سلام ما بعد النزاع، خاصة إذا لم يتم احتواء التحديات المتنوعة التي تواجه الإصلاحات التنموية والتي يزخر بها عالم آخذ بالتغيّرالسريع.

من هذا المنطلق تفرض هذه الدراسة عرض العوامل والوقائع واللاعبين الفاعلين والمساهمين في عملية التنمية وتعزيز بناء السلام ( The factors and the actors)، وبخاصة دور المنظمات غير الحكومية على اعتبار أنها تشكل أحد أبرز دعائم المجتمع المدني، والمتخصصة في تحقيق التنمية وتعزيز بناء السلام بعد نهاية مرحلة النزاع المسلح.

وتأتي دراسة الواقع اللبناني كجزء من الأهمية العملية لهذه الدراسة لتسلّط الضوء على أبرز الإصلاحات التنموية التي شهدتها الساحة اللبنانية بعد نهاية الحرب الأهلية وانسحاب الجيش الإسرائيلي من جزء كبير من أراضيه، إلى جانب التحديات التي تقف عائقاً أمام تثبيت مشروع بناء السلام المستدام في بلد لا يزال يعيش أبعاد نزاعات لامتناهية على المستوى الداخلي أو الخارجي، جعلت ثقة المواطن اللبناني بنظامه غير متكافئة وعرضة للتهديد المستمر بإمكانية إفساد الشراكة بين كل شرائح الوطن الواحد. لقراءة المزيد..

[1]غاستون بوتول : ظاهرة الحرب . ترجمة إيلي نصار. دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت - لبنان. الطبعة الأولى ٢٠٠٧ . صفحة ١٠

[2]Oliver Dekens: projet de la paix perpétuelle de kant . Bréal 2002. Page 33.

نقلا عن موقع – PEACE BUILDING ACADEMY.ORG 

القراءة: 3149
2012-04-14
print this page
Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

زوار الموقع
اليوم: 16
هذا الشهر: 2781
العدد الكلي: 554525

Copyright tfpb.org 2011, All rights Reserved. Developed by: cg-logo.com