اخر تحديث للموقع : 2014-01-29

المسيحيون في العراق والشرق؛ واقع مؤلم ومستقبل يلفه الغموض

Untitled document

خضر دوملي *

 ليس من السهل ان تفهم الواقع الذي يعيشه الاقليات الدينية في الشرق بشكل خاص والعراق بشكل عام دون ان تكون قريبا منهم، تتحسس آلامهم وتفهم معاناتهم، ثم تدخل في التفاصيل التي تشغل بالهم كثيرا ،،،، لتكتشف انك كنت تجهل الكثير، وهذا حال المسيحيين في العراق كما هو في المشرق حيث المعاناة الكبيرة مشتركة والهموم الصعبة مختلفة في موطنهم الاول .

الواقع الذي قدمه ممثلي المسيحيين في ( لبنان، سوريا، الاردن، العراق، مصر ) في المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق الذي عقد يومي 26 و 27 تشرين الاول 2013 في بيروت، كشفت انهم امام امتحان صعب وتحديات كبيرة ومستقبل يلفه الغموض، وهذا الامر بدا جليا في الدعوات التي كانت تأتي من على لسان المشاركين من خلال المداخلات او المحاضرات او تصريحاتهم لوسائل الاعلام، من ان الوضع اصبح يهدد وجودهم في ارض اجدادهم، الارض التي خرجت منها المسيحية وكانوا هم بناة الحضارة القريبة ، البعيدة فيها.

اكثر  الامور اهمية التي اشترك فيها غالبية المشاركين في المؤتمر سواءا ما تلمسناه شخصيا من خلال الحوارات المختلفة التي كانت تجرى بينهم او من خلال التساؤلات التي قدمتها لهم او الاستماع اليهم وهم يتبادلون اطراف الحديث لم تكن فقط مخيفة، بل مؤلمة ايضا، الكنائس تحرق وتنهب في مصر، الاراضي تصادر ويسيطر عليها في سوريا اخرون ، بحسب وصف احد القساوسة هناك ((على غفلة تغير أولئك الناس الذي عشنا معهم لزمن طويل ليصبحوا ينتظرون الفرصة للاستيلاء على اراضينا ومصادرتها ان لم نتركها والنظر الينا باشمئزاز  بعدما كنا نشاركهم الطعام والعمل والمصير المشترك منذ مئات السنين !!))، قلة الانجاب لدى المسيحيين وزيادته لدى الشيعة والسنة معا يشكل خوفا مستمرا في لبنان، الهجرة والتغير الديموغرافي يعتبر معركة مخيفة لهم في العراق، الحديث بهدوء عن العيش مسالمين في الاردن لم يكن يشير الى ان حالهم على احسن ما يرام، و تجرد الدين من السياسية كان المطلب الاكثر حضورا .

هذه التصورات لم تكن تغيب عنها الارقام والاحصائيات التي توضح حجم الماساة، ولذلك كان السؤال الاهم يرافقه او يتبع كل رقم او احصائية او تقرير يشير  الى حالهم في الشرق الذي يعتبرونه موطنهم قبل غيرهم، هل ان المسيحيين في الشرق الى زوال؟. هل ان الذي يجري مخطط له؟ ماذا يمكن ان يحدث  بعد انتشار التطرف الديني واستقراره في ذهنية الفرد والمواطن البسيط وانتشار فصائل التكفير واستقرارها بجوار مواطن المسيحيين في دول المنطقة؟.  ماذا يمكن ان يحدث بعد ان اصبح المسيحي يمشي خائفا من ظلله بعدما كان يمشي مزهوا بما يحمله من تاريخ هنا؟. ماذا يمكن ان يحدث بعد ان اصبح التطرف الديني جزءا من حياة اناس شاركوهم في الماضي القريب جدا، الفرح والطعام والمستقبل والثورة والمعارضة والنضال والبناء، واصبحوا الان مرفوضين في السلام عليهم؟.

التساؤلات كانت كثيرة والهموم كانت اكبر من ان يتمكن المشاركين الاجابة عنها.

 الا انها عبرت عن حجم المعاناة وعن مساحة الخوف التي تعتريهم، والمستقبل المجهول الذي ينتظرهم، في موطنهم الاول الذي ساهموا في عمرانه والارتقاء به و العمل من اجله في السراء والضراء، لينالوا هذا الاحسان بالتهجير والقتل ونهب اموالهم وتدمير كنائسهم، فلم يبقى لهم التشبث الا بحرية ممارسة الشعائر الدينية وتثبيت حقوقهم في الدساتير التي يخافون منها لصبغتها الدينية.... الحرية الدينية التي وصف احد النشطاء في المؤتمر من انها لايجب ان تكون منة، ولاهبة ، بل هي الاساس لبناء الاوطان ، الحرية الدينية ونحن في عام 2013 لايجب ان تكون عنصرا للمساومة لمزيد من الحقوق بل صفة مشروعة في سبيل تقوية الانتماء، ذلك الانتماء الذي اشار الاغلبية انه بدأ يتراجع مع موجة العنف التي تجتاح الشرق موطن المسيحيين الاوائل .

مؤتمر مسيحيي المشرق كان بمثابة انذار للدول ومراكز القرار المهتمة بالشأن المسيحي لواقع المسيحيين بمختلف طوائفهم، و الارقام التي قدمت عن تدمير الكنائس في مصر والاستيلاء على الاراضي في سوريا وتاثير زيادة الانجاب في لبنان ومقتل وهجرة المسيحيين في العراق كانت بداية لواقع مرير،  وسيستمر طويلا بلا شك لان الدول والحكومات التي تدير هذه البلدان لاتمتلك اية خطط علمية وعملية وواقعية للتعامل مع التعددية الدينية التي تتصور ان مجرد وجود وممارسة شعائرهم يكفي. ولذلك تعالت الاصوات التي دعت الى المشاركة الحقة، المشاركة والتشارك في رسم السياسات وتطبيقها وتعزيز قبول الاختلاف الديني وممارسة التعايش وليس الاقرار به فقط وفقا للنصوص الدينية، التي اصبحت تفسر وتغير على اهواء اصحاب الفتاوى، المشاركة التي تعتبر عنصرا لتعزيز الانتماء بعيدا عن الهوية الدينية لكل المكونات هي الحل الامثل برأيهم.

واذا لم يكن المؤتمر فقط لعرض الهموم والمعاناة فانه عرض الارقام التي تخص التوقعات المستقبلية لوجودهم ايضا، و الى نسبة مشاركتهم في السلطة التي لم يظهر منها الا القليل في لبنان والبداية الجيدة في اقليم كوردستان في الممارسة السياسة والحقوق الثقافية، ونظام الكوتا في العراق الفدرالي، الذي لايزال المسيحيين فيه معرضين للمخاطر والتهجير.....  لذلك تعالت الدعوات الى الاحتفاظ بالارض و البقاء في المشرق لانه رمز الهوية المسيحية، و تعال صوت العقل في الحفاظ على المسيحية بعيدا عن سطوة هذه الكنسية او تلك، ذلك الحزب السياسي او تلك القومية دون غيرها، تعال صوت الحفاظ على المسيحية من خلال هويتها السريانية، اللغة التي نطق بها المسيح وتحدث بها ودونت كتاباتهم واساطيرهم وملاحمهم ، تلك الهوية التي تجمعهم جميعا، مع التأكيد ان خلو الشرق من المسيحيين هو خطر لغيرهم ايضا، لأنه يفقد اصالة ذلك الشرق، وتضيع هويته العريقة بين موجات العنف السياسي و التطرف الديني الذي لايبدو ان نهايته قريبة . 

 

--------------------------------------------

*المقال جاء على اثر مشاركة شخصية للكاتب في مؤتمر مسيحيي المشرق الاول الذي عقد في بيروت 26 – 27 تشرين الاول برعاية الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان 

** خضر دوملي باحث اعلامي ومختص في شؤون الاقليات وحل النزاعات وبناء السلام 

القراءة: 855
2013-11-12
print this page
Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

زوار الموقع
اليوم: 8
هذا الشهر: 4254
العدد الكلي: 542869

Copyright tfpb.org 2011, All rights Reserved. Developed by: cg-logo.com