اخر تحديث للموقع : 2014-01-29

التعايش السلمي بين الشعوب

Untitled document

التعايش السلمي بين الشعوب

حسقيل قوجمان

 

ان التعايش هو الوجود المشترك لفئتين متناقضتين في محيط واحد. ولكن التعايش قد يكون سلميا او قد لا يكون سلميا. فالتعايش السلمي معناه ان تعيش الفئتان جنبا الى جنب من دون ان تعتدي احداهما على الاخرى. هذا هو المفهوم العلمي للتعايش السلمي.

 

ان عالمنا على الكرة الارضية مليء بالفئات المتناقضة والمتصارعة فكيف يمكن تحقيق التعايش السلمي بين مثل هذه الفئات؟ والفئات الموجودة والمتعايشة في عالمنا تسمى انظمة او دولا وهذه الدول او الانظمة المختلفة اما تتعايش سلميا او تتعايش بصورة غير سلمية. ولكن الانظمة التي وجدت على الكرة الارضية منذ نشوء المجتمع الانساني على الارض حتى اليوم انظمة تعايشت تعايشا لا سلميا اذ ان الحكومات القائمة في العالم لها مصالح مختلفة وتريد كل منها الاستيلاء على مصالح البلدان القريبة منها او البعيدة عنها. حدث ذلك حتى حين كانت المجتمعات البشرية عبارة عن مجموعات صغيرة من الصيادين.

 

وتاريخ البشرية الذي نعرفه مليء بالحروب على اشكالها وفي ارجاء العالم. وقد تطورت هذه الحروب مع تطور انتاج الانسان بحيث وصلت الى ما نشاهده اليوم من استخدام افظع اشكال اسلحة الدمار الشامل كما هو بابشع صوره اليوم في العراق المحتل من قبل اقوى وابشع دولة عرفها التاريخ.

انكم تفكرون بتعايش سلمي بين شعوب الشرق الاوسط بمختلف مكوناته القومية والدينية. ولكن الشعوب ليست فئات متناقضة متناحرة. فالشعوب بطبعها تتكون من اناس يفكرون بكسب عيشهم وانشاء اطفالهم بسلام وليس لهم ما يدعو الى محاربة بعضهم بعضا. فلو ترك لشعوب الشرق الاوسط ان تعيش حياتها بدون وجود انظمة حاكمة مستغلة سواء من نفس بلادها ام من بلاد اجنبية لعاشت بسلام ولا حاجة انذاك الى تعايش سلمي او تعايش غير سلمي. ان التعايش السلمي هو اصطلاح يصدق عن الحكومات والانظمة وليس على الشعوب.

 

ان مفهوم التعايش السلمي نشأ بصورة بارزة بعد الحرب العالمية الثانية. فهناك نظامان مختلفان جوهريا هما النظام الاشتراكي الذي كان يضم الاتحاد السوفييتي والدول شبه الاشتراكية التي نشأت في اوروبا الشرقية بعد دحر جحافل الجيوش النازية وفي بعض بلدان اسيا التي نجحت في التخلص من الاستعمار مثل الصين والفيتنام الشمالية وكوريا الشمالية. ونظام اخر هو النظام الراسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة التي نشأت كاكبر دولة راسمالية في العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

 

في هذه الظروف الجديدة التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ ظهرت امكانية نشوء تعايش سلمي بين هذين النظامين المتناقضين. ولكن التعايش السلمي لم يكن اكثر من نظرية او امكانية اذ في الواقع كان التعايش بين النظام الاشتراكي والنظام الامبريالي تعايشا حربيا لا سلميا كما كان الحال بين هذين النظامين قبل الحرب العالمية الثانية لان الجانب الراسمالي مبني على اساس الحرب والحرب احدى صفاته الطبيعية.

 

كيف يمكن ان يتحقق التعايش السلمي بين دولتين او اكثر. يمكن ان يتحقق التعايش السلمي اما بالتوافق، اي بان تتفق دولتان متجاورتان مثلا على عدم الاعتداء احداهما على الاخرى. وقد اثبت التاريخ ان مثل هذه الاتفاقات لا تتحقق الا لفترات قصيرة غير ثابتة. فكل دولة تجد في نفسها القدرة على الاستيلاء على بعض مصالح الدولة المجاورة تحاول ان تستولي عليها بالقوة ولذلك فان اي تعايش سلمي من هذا النوع هو تعايش مؤقت تقوم فيه كل من الحكومات المتعايشة سلميا بالاعداد لظروف تحويل هذا التعايش الى تعايش حربي. لذلك كان تاريخ المجتمع سلسلة من الحروب الصغيرة والكبيرة في ارجاء العالم.

 

والشكل الحقيقي الثابت الممكن للتعايش السلمي هو ان يكون احد الطرفين المتناقضين محبا للسلام وليست له مصلحة في تحويل التعايش السلمي الى تعايش حربي وان يكون هذا الجانب المسالم اشد قوة من الجانب الثاني الراغب في تحويل التعايش الى تعايش حربي بحيث يصبح هذا الجانب الضعيف عاجزا عن ان يحارب الجانب المسالم القوي.

 

فكيف اصبح ممكنا نظريا تحقيق تعايش سلمي بين النظامين السائدين في العالم بعد الحرب العالمية الثانية؟ ان هذه الامكانية كانت تتطلب اتحاد جميع الانظمة والحكومات الاشتراكية لتكوين معسكر واحد واسع محب للسلام والتحام هذا المعسكر بحركة سلام عالمية معادية لنشوء حرب عالمية ثالثة. فاذا تطور هذا الاتحاد بين النظام الاشتراكي الذي لا مصلحة له في الحرب مع جميع شعوب العالم التي هي الاخرى لا مصلحة لها في الحرب بحيث ان النظام الراسمالي الذي يريد الحرب ويريد الاستيلاء على مصالح شعوبه وشعوب النظام الاشتراكي ليس بمقدوره ان يشن حربا على هذا النظام الاشتراكي المتطور لان الاعتداء على اي جزء من اجزاء المعسكر الاشتراكي يعتبر اعتداء على كامل النظام الاشتراكي ومن يريد الاعتداء على دولة من الدول الاشتراكية عليه ان يعلم انه يجب ان يحارب النظام الاشتراكي كله بالاضافة الى ان الشعوب متحدة في حركة السلام العالمية التي لا توافق على الدخول في حرب مع حكوماتها ضد النظام الاشتراكي. هذه هي الامكانية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. وسارت الشعوب في هذا الاتجاه طالما كان النظام الاشتراكي سائرا في تطوير هذا النظام تطويرا سريعا بحيث ان حركة السلام العالمية تمكنت من جمع تواقيع ٦۰۰ مليون انسان للمطالبة بتحريم استخدام القنابل الذرية قدمتها الى الامم المتحدة. ولكن الامكانية بقيت مجرد امكانية ولم تبلغ هذه الحركة الى درجة تحقيق التعايش السلمي اي تحقيق وضع يكون فيه النظام الراسمالي العالمي عاجزا رغم طبيعته الحربية ورغم الحروب الجارية فيما بين الدول الراسمالية عن ان يشن حربا عالمية ثالثة ضد المعسكر الاشتراكي.

 

ولكن الامور تغيرت حين جاءت في الاتحاد السوفييتي قيادة لا تريد الاشتراكية بل تريد العودة الى الراسمالية هي الحكومات التي قادها خروشوف ومن جاء بعده. فالعودة الى النظام الراسمالي تتطلب العودة الى سياسة الحرب والاستغلال وعاد العالم كما كان قبل الحرب العالمية الثانية يتعايش تعايشا حربيا لا سلميا. وعادت الحرب العالمية بين الانظمة الراسمالية حتمية كما كانت قبل الحربين العالميتين السابقتين وها نحن نعيش الحرب العالمية الثالثة منذ سنة ۲۰۰۱.

 

كانت الحكومات الخروشوفية المتعاقبة تخدع شعوبها وشعوب العالم بان التعايش السلمي قد تحقق وان العالم يعيش الان تعايشا سلميا في حين كانت الحرب الباردة الهادفة الى تحطيم اي نظام اشتراكي قائمة على قدم وساق. وقامت الحكومات الخروشوفية بتحطيم حركة السلام العالمية والحركة الشيوعية العالمية مما ادى اولا الى تحطيم النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي وفي سائر الدول التي كانت سائرة في طريق تحقيق النظام الاشتراكي والى عودة الاتحاد السوفييتي الى النظام الراسمالي الامبريالي الذي نشاهده اليوم. واكبر مثال على خدع الشعوب وتضليلها بالادعاء بوجود التعايش السلمي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية هو ادعاء بريجنيف بان انتهاء الحرب الفيتنامية كان نتيجة للتعايش السلمي في حين كلفت هذه الحرب الملايين من الشعب الفيتنامي في محاربته للامبريالية الاميركية ولم يكن انتهاء الحرب الفيتنامية الا نتيجة لدحر هذه القوة العظمى من قبل الشعب الفيتنامي. ونتيجة لذلك لا توجد اليوم امكانية لتحقيق تعايش سلمي في اية بقعة من العالم نظرا لوجود الدولة المسيطرة الوحيدة في العالم التي تريد ان تستولي على العالم كله ولا تستطيع تحقيق ذلك الا بابشع الحروب المتوالية والمتواصلة كما هو الحال في الحرب العالمية التي اعلنتها الولايات المتحدة منذ سنة ۲۰۰۱ ولا نعلم متى ستنتهي.

 

نعود الان الى رغبتكم الانسانية النبيلة في تحقيق تعايش سلمي بين كادحي شعوب الشرق الاوسط. لو كان الامر موكولا لهذه الشعوب لم تكن هنالك حاجة الى تعايش سلمي لان شعوب الشرق الاوسط كلها لا مصلحة لها في الحروب والتطاحن فيما بينها وان من طبيعتها السلام والاخوة بين هذه الشعوب. ولكن شعوب الشرق الاوسط كلها مغلوبة على امرها. فهذه الشعوب كلها ترزح تحت نير حكام كل همهم ان يستغلوا هذه الشعوب وكل هذه الانظمة القائمة في الشرق الاوسط خاضعة بدرجات متفاوتة لنفوذ الولايات المتحدة اولا ولبعض الدول الراسمالية الكبرى الاخرى ثانيا. وهم هذه الانظمة خلق التناحر والتصادم بين هذه الشعوب ومنعها من التآخي والتسالم فيما بينها. لهذا نرى تكرر الحروب في الشرق الاوسط والتسابق في التسلح وانفاق مئات المليارات على شراء الاسلحة.

 

ان تحقيق رغبتكم في التعايش السلمي بين شعوب الشرق الاوسط الكادحة يتطلب في الواقع التغلب على هذا الوضع واجبار الحكومات المتعددة على الشعور بمصالح شعوبها والتحول من سياسة التعايش الحربي القائم الى سياسة التعايش السلمي. وهذا لا يتحقق الا بالنضال ضد هذه الانظمة المستغلة لتحرير الشعوب منها والاتيان بانظمة تعمل على تحقيق التعايش السلمي بين الشعوب.

 

لنأخذ العراق الحالي مثلا. هل يوجد التعايش السلمي بين ابناء الشعب الواحد في العراق؟ ان ما نراه من مجازر متكررة كل يوم في العراق والقتل على الهوية والمداهمات التي تقوم بها قوات الاحتلال ليس لان الشعب العراقي لا يريد العيش بسلام وانما لان الاحتلال الاميركي البريطاني وعملاء هذا الاحتلال يهدفون الى تمزيق الشعب العراقي وتمزيق العراق ونهب ثرواته وتدمير مؤسساته وادامة الاحتلال. فهل عائلة عبير كانت تريد ان تعيش تعايشا حربيا مع جيرانها؟ هل لعائلة عبير مصلحة في التصادم مع جيرانها او ابناء بلدها؟ هل كانت عبير وعائلتها بحاجة الى التثقيف بالتعايش السلمي مع جيرانهم؟ ان وجود الاحتلال واعوانه هو الذي ادى الى مصير هذه العائلة المنكوبة. وعائلة عبير مجرد مثال لجميع عوائل العراق المعرضة لمصير مشابه لمصير عائلة عبير. ووجود الاحتلال يهدد كل فتاة عراقية بمصير مشابه لمصير عبير.

 

وهل الشعب العربي في فلسطين له مصلحة في التعايش الحربي الذي يعيشه؟ هل الشعب الفلسطيني مخير في اختيار التعايش السلمي او التعايش الحربي؟ هل الشعب الفلسطيني بحاجة الى التثقيف بالتعايش السلمي بين فئاته الدينية والقومية؟ هل كانت عائلة هدى محبة للتعايش الحربي؟ ان صرخات هدى لا تزال ترن في دماغ كل انسان شريف ذي ضمير حي حين هتفت تصرخ "سامحني يا بابا". ما الذنب الذي جنته هدى لتطلب من والدها ان يسامحها عليه؟ ان ذنبها الوحيد هو انها بقيت على الحياة ولم ترافق والدها وافراد عائلتها في مصيرهم. انها تطلب من والدها ان يسامحها لانها لم تمت معه. وليست هدى سوى واحدة من الاف الهدى اليوم في فلسطين.

 

ان تحقيق اي تعايش سلمي عزيزي القارئ لا يتحقق الا بان يتحد الشعب العراقي حاليا في مقاومة المحتلين واعوانهم وتحقيق طردهم من العراق. وان تتحد جميع شعوب الشرق الاوسط على الاطاحة بحكوماتها المستغلة والمجيء بحكومات تراعي مصالح شعوبها ولا تتآمر مع الدول الامبريالية الكبرى على تحطيم شعوبها ونهب ثرواتها. اذ ذاك فقط تعيش شعوب الشرق الاوسط بسلام فيما بينها دونما حاجة الى تعايش سلمي او تعايش حربي. فهي كلها شعوب لها مصلحة واحدة في العيش بسلام وتآخ وليس لاي شعب من هذه الشعوب اية مصلحة في استغلال الشعوب الاخرى وشن الحرب عليها.

القراءة: 2207
2011-11-26
print this page
Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

Untitled document

زوار الموقع
اليوم: 17
هذا الشهر: 2782
العدد الكلي: 554526

Copyright tfpb.org 2011, All rights Reserved. Developed by: cg-logo.com