أقرار التنوع اللغوي تعزز استقرار البلدان وتحتضن التنوع

خضر دوملي *
في زيارة الى سويسرا قبل فترة لفت انتباهي الاهتمام الذي يبدونه بعدة لغات في القاء التعليمات والارشادات بالمطار، وايضا على شاشة مقعد الطائرة، وفي محطة الانتقال في مطار كييف وعند مدخل الطائرة شاهدت لوحة مكتوب عليها بـ اكثر من خمسة عشر لغة تودع المسافرين، في وقت كنت في اخر رحلة على متن الخطوط الجوية التركية من بغداد الى اسطنبول ومن ثم لندن، تفاجئت بان الترحيب من شاشة المقعد موجود بست لغات غير التركية ولكن لاوجود بينها للغة الكوردية، التي هي لغة اكثر من ثلث سكان تركيا العلمانية، ويعرف المتابعون ان تهميش استخدام اللغة الكوردية أدت الى فقدان ارواح عشرات الالاف في سوريا والعراق وايران وتركيا.

ان التوظيف الامثل للغة ، وتنظيم استخدام اللغات المحلية كثيرا ما يكون عاملا مهما لتعزيز التواصل بين المكونات المختلفة، وتساعد على التعرف على التراث المختلف للمكونات الدينية والاثنية والتي لها لغات خاصة بها، وسبيلا لكي يتفهم الناس بأن التنوع اللغوي ثراء حضاري، وليس العكس كما يتصور او تتجه بعض السلطات الى حجب استخدام اللغات المحلية ومنع تداولها مما يؤدي الى تنافر وانقطاع للتواصل التي تؤدي الى ثورات وحروب في كثير من الاوقات.

التجارب المحلية في المنطقة التي تشير الى أن عدم السماح بأستخدام اللغات الحية والعريقة تكون عاملا للعزلة الثقافة والاجتماعية، مما يشكل عائقا امام قبول التنوع والاقرار به وتعزيزه عبر اللغة. هناك الكثير من الامثلة المهمة في هذا المجال، سأشير الى أثنتان منها : عبر سنين عديدة مضت، تعرض المسيحيين في العراق الى هجمات وويلات، ولم تتحول القصص الخاصة بتلك الهجمات الى الثقافة الشعبية، وبقيت الافادات وتوثيق تلك الحروب مقتصرا باللغة السريانية ومحفوظة في مكتبات الكنائس وألاديرة، توالت اجيال واجيال على قرائتها، وشكلت ذاكرة جمعية منفصلة عن المجتمع المحيط بالمسيحيين، ولم يتعرف الناس على ذلك الثراء التاريخي ولم تترجم الملاحم والمآسي الى اللغة العربية ألا ما ندر،،، ما شكل حاجزا نفسيا كان من الصعب تجاوزه ألا قليلا وفي محطات قصيرة، أذ أن الثقافة الجمعية لم تستوعب تلك الافكار والمعاناة لأنها لم تترجم من اللغة الام الى الغات الاخرى الحية الرسمية، فبقت تلك المعاناة اسيرة الرفوف وأقبية الكنائس والاديرة وضاعت فرصة مهمة لتعزيز الارث الثقافي بالتنوع اللغوي.
نفس المثال والتجربة ترتبط ايضا بالمكون الايزيدي في العراق الذي هو الاخر تعرض عبر قرون عديدة الى الكثير من المأسي، ولكنها ايضا لم تترجم الى معطيات ثقافية ومؤلفات يتعرف الاخرين عليها، فبقيت محفوظة بما يسمى عبر الادب الشفاهي والاغاني والاناشيد والقصائد الحزينة باللغة الكوردية الاصيلة لهم، وغابت عن الذاكرة الجمعية العراقية، فشكلت شخصية اشبه بالغريبة لايتفهمها الاخر، لأنه يجهل ما تم حفظه عبر المواويل والاغاني من أرث ثقافي وتاريخ وحضارة ومأسي تعرض له الايزيديون في العراق منذ مئات السنين وخاصة الفترة الاخيرة من زمن سيطرة الدولة العثمانية على العراق وكوردستان.

هذه أمثلة ترتبط بتأثير الارث الثقافي اللغوي على تعزيز التنوع وتوظيف التنوع الغوي للتواصل الاجتماعي، لتصل مؤخرا الى منافذ اخرى كثيرة، تحاول السلطة في العراق ان تتجه بمسار اخر تمثل في اقرار اللغتين الكوردية والعربية بأعتبارهم لغات رسمية وذلك ضمن دستور 2005 ، وهذا الامر لم يكن ممكن الحصول قبل ذلك التاريخ بهذه الصورة، وباتت فيما بعد ووفقا لقانون تعدد اللغات اعتبار اللغة التركمانية والسريانية ايضا لغات رسمية للمناطق التي يتواجد فيها الذين يستخدمون التركمانية – وهي اللغة التركية القديمة التي يستخدمها التركمان في العراق وخاصة في كركوك واجزاء من الموصل واربيل – واللغة السريانية التي يتحدث ويوثق ويدون ويكتب بها المسيحيون في العراق، لابل ان هذه التجربة توسعت بشكل اكثر في اقليم كوردستان لتصل الى فتح مدارس يدرس ويتعلم فيها الطلبة من هذين المكونين بلغة الام الخاصة بهم – السريانية والتركمانية، والتي ساعدت كثيرا في تعزيز الثقة باللغة الام وتضمين المناهج التربوية للغات المختلفة ومكانتها والتي تلتزم بخطة مناهج وزارة التربية في اقليم كوردستان.
وأضيف الى هذا الامر استخدام اللغات الحية مثلا في كركوك ( العربية – الكوردية -التركمانية والسريانية ) في المخاطبات الرسمية وعلى لوحات الدلالة ، حيث يشعر الناس ان هذا بحد ذاته اقرار بالتنوع والتعددية الثقافية

ان توظيف اللغة لتعزيز التواصل الاجتماعي يعتبر عاملا مهما لتعزيز التنوع، ولأحتضان التنوع، فلو كانت هناك خطط وطنية لأحتضان التنوع اللغوي وتطويره وتنظيمه عبر قوانين محلية لما حدث ذلك التنافر الاجتماعي بين الكورد والسلطات في سوريا وايران وتركيا والعراق، ولو تم توظيف عنصر اللغة لاحتضان التنوع أعلاميا لشعرت المكونات التي لديها لغة مختلفة انه يتم الاعتبار للغتهم، الذي هو في الاساس بمثابة الاعتبار لهويتهم الثقافية المختلفة.

عليه فأن توظيف اللغة لكي يكون عنصرا من عناصر تعزيز التنوع الثقافي توفر فرصة سريعة وسهلة لاتكلف الكثير من الجهد لكي يتم من خلالها الاقرار بالهويات والانتماءات أعتبارها عاملا مهما من عوامل تشجيع التعرف وجسر للتواصل لكي يستخدمها الناس في التعرف على بعضهم البعض، مما يعني تفهم بعضهم البعض، وصولا الى قبول اختلافات بعضهم البعض وبناء مجتمع يسوده الاستقرار. فاللغة عامل حي يستوعب التنوع والتعددية ويساعد في الحفاظ على الهويات و تعزيز الارث الوطني بالتراث الثقافي ذي الصبغة المختلفة التوجهات ، ولن يتحقق ذلك دون تطبيق التشريعات بهذا الخصوص، لاسيما أن اعلان حقوق الاقليات القومية والدينية والاثنية الذي اصدرته الامم المتحدة في عام 1992 يؤكد على ضرورة التعليم بلغة الام و تنمية الثقافة والتراث اللغوي . كما ان الاساس في تعزيز وتنمية حقوق الاقليات جزء منه يتمثل في تعزيز وتنمية اللغة بأعتبارها اساس للهوية الثقافية لأي مكون .
2017/04/13