الشباب وبناء السلام الاجتماعي

د. تغريد عبده الحجلي  ///// أصبح العالم الحديث أصغر وأقل سلاما وغير آمن للأجيال الحاضرة والمقبلة حيث يمر ببيئة مليئة بالتوتر والعنف والقيم المتدنية والمظالم وتقليل التسامح واحترام حقوق الإنسان، وقد اتخذت ثقافة السلاح مركزا مهيمنا في معظم البلدان النامية خاصة في منطقة الشرق الاوسط مما يهدد مستقبل الشباب الذين يستحقون حياة سلمية ونوعية أفضل للحياة، مما يحتم خلق ثقافة السلام والبيئة الحرة لحل النزاعات هذا هو المجال الذي يمكن للشباب أن يلعب فيه دورا هاما وهو بالنسبة لهم تعزيز ثقافة ” التغيير” عن طريق تغيير مواقفهم تجاه الناس والتقاليد والدين والمعتقد، وأن يجمعوا ما بين حماسهم وصبرهم وإدراك أهمية العيش معا وأن يكونوا مسؤولين عن الدفاع عن حدود السلم واللاعنف .

اتسمت الفترة منذ التسعينات  من القرن الماضي حتى يومنا هذا بزيادة عدد الصراعات الداخلية التي تسببت في وفاة الآلاف من المدنيين، وتهجير أجزاء كبيرة من السكان، وأجبار الأفراد أو حتى مجتمعات بأكملها على التماس المأوى في بلدان أجنبية، ولا أدل على ذلك ما يحدث اليوم في منطقتنا العربية من صراعات ستترك أثارا سلبية على مستوى المجتمع إن كان من الناحية الديمغرافية أم من ناحية التعايش بين مكونات الشعب الواحد وبينه وبين الشعوب الاخرى. وقد تفاوتت أسباب النزاع تفاوتا كبيرا، من اشتباكات سياسية -اقتصادية وهوية قائمة على مواجهات خارجية مستوحاة من الجهات الفاعلة الانتهازية. وتواجه المجتمعات التي مزقتها الحرب صعوبة في التوسط في السلام بين الاطراف المعنية بالنزاع، مما يخفف من حدة الاشتباكات ويزيد من عدد القتلى. ومع ذلك، فإن الوضع الراهن الجديد على الساحة الدولية سمح بتوسيع نطاق مشاركة الفاعلين والمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وحتى صندوق النقد الدولي، مما يعطي الأمل للمناطق المضطربة بأن السلام يمكن بل وينبغي تحقيقه.

مفهوم بناء السلام

إن مفهوم بناء السلام الذي ارتبط بمرحلة الحرب الباردة يعتبر من المواضيع المهمة والمثيرة للنقاش، لأنه يعبر عن اهتمام الدول والأفراد على حد سواء في توفير السلم والاستقرار كبديل للحروب ولإصلاح فترة ما بعد النزاعات مازال  يعاني من نقص مفاهيمي وعدم وجود نظرية شاملة، ما استدعى الأمر إلى إيجاد نظريات جزئية تعمل على تحليل وتفسير المفهوم والذي غالبا ما يستعمل كمصطلح يتقاطع مع عدة مفاهيم مثل حل النزاع، إدارة النزاع، الوقاية والتحويل، فهو يضم عدة نشاطات تهدف إلى منع ظهور النزاع مجددا من خلال إعداد إطار عمل متكامل يشمل العديد من الأبعاد ويمر عبر مختلف مراحل النزاع مرورا بحفظ السلام وصنع السلام، الشيء الذي أدى إلى تكثيف الجهود وتنسيقها من أجل إنجاح هذه العملية وتحقيق غاياتها المنشودة التي من شأنها مساعدة الإنسانية وإرساء دعائم السلم والأمن الدوليين.

فلقد أصبح هذا المفهوم الجديد محط اهتمام كل الدول إذ يعبر عن أولوياتهم وخططهم لتحقيق الديمقراطية والمصالحة. فبناء السلام جاء ليكمل عمليات حفظ السلام وصنع السلام لتأسيس السلام الدائم والحفاظ على النظام الدولي، فهو حسب جون بول ليدراخ ” مفهوم يضم العمليات التي تقوم بها الفواعل المحلية التي هي كل قوى المجتمع فردا وجماعة وكذا السلطة والفواعل الدولية من مؤسسات دولية ومؤسسات غير دولية ودول والتي تهدف إلى إنعاش المجتمع المدني، إعادة بناء البنية التحتية واستعادة المؤسسات التي حطمتها الحرب أو النزاعات الأهلية للمجتمعات وقد تسعى هذه العمليات إلى إقامة هذه المؤسسات إذا لم تكن موجودة بما يمنع نشوب الحرب مرة أخرى لدفع عملية بناء السلام.”

مفهوم الشباب

مصطلح الشباب حديث العهد فقد اقترنت هذه الفئة بالثقافة الحديثة إلا أن الشباب “مصطلح يطلق لكلا الجنسين ” قد أصبح واقعا ملموسا ومقبولا عالميا. لقد تبنى العديد من أصحاب المصلحة الرئيسيين في المجتمع الدولي بارامترات قائمة على السن لتحديد المفهوم، ولكن حتى هذا النهج يفتقر إلى التوحيد.

تعرف الأمم المتحدة “الشباب” بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاما دون المساس بالتعاريف الأخرى من جانب الدول الأعضاء، وفي الواقع، تستند جميع إحصاءات الأمم المتحدة المتعلقة بالشباب إلى هذا التعريف، كما يتضح من الحولية السنوية للإحصاء ات التي تنشرها منظومة الأمم المتحدة عن الديموغرافيا والتعليم والعمالة والصحة، يعرف الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18ـ29 سنة

 

لقد كان الشباب تاريخيا طليعة التغيير الاجتماعي، قادوا العديد من الثورات وكثيرا ما يمتلكون الإبداع والمبادرة والوقت لتطوير طرق أكثر سلاما للعيش معا.

الشباب / بناء السلام

يشكل الشباب اليوم أكثر من نصف سكان العالم، وهو أكبر عدد من الشباب في تاريخ العالم، فحسب احصائية عام 2015 بلغ عدد الشباب 1.2 مليار شاب تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاما على الصعيد العالمي، وهو ما يمثل واحدا من كل ستة أشخاص في جميع أنحاء العالم لذا لا بد من النظر إليه ليس باعتباره مسؤولية بل فرصة للتغيير.

يعيش اليوم أكثر من 1،5 بليون شخص في البلدان المتضررة من الهشاشة والصراع معظمهم دون سن الثلاثين. منهم 600 مليون شاب تقريبا يعيشون في سياقات هشة ومتضررة من النزاع في جميع أنحاء العالم وهم من أكثر أشكال العنف تضررا في كثير من الأحيان، من العنف السياسي والعصابات الإجرامية إلى الجريمة المنظمة والهجمات الإرهابية ويمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 عاما غالبية ضحايا العنف المسلح القاتل، خاصة منها الإيذاء البدني والاستغلال الجنسي. إن انعدام فرص الحصول على التعليم والخدمات الاجتماعية الأساسية والفرص الاقتصادية وغياب تطبيق قوانين العدالة وحقوق الانسان. هذه الأرقام وحدها تبرر إدراج الشباب في صنع السياسات والتخطيط، ولكن من الناحية العملية، فان معظم الخطابات التي تصور الشباب بأغلبية ساحقة كضحايا أو أشرار ربما تكون أحد اهم الاسباب التي تعيق المشاركة الفعالة للشباب في بناء السلام

الشباب أكثر انفتاحا على التغيير: فهم يتوقون إلى تجربة استراتيجيات جديدة وكما قال يوهان غالتونغ: “يبحث الشباب عن أفكار جديدة وتحديات جديدة في حين أن البالغين قد شكلوا بالفعل خطاباتهم العقائدية. لقد رأيت هذا مئات المرات في حياتي. وفي عمليات بناء السلام، ينبغي أن يلتقي الشباب، بل وأفضل من ذلك، أن تجتمع الشابات “. فالشباب موجهون نحو المستقبل، هم يرثون الماضي من الأجيال الأكبر سنا، وسيتعين عليهم العيش في العالم الذي بناه الآخرون، وهم أكثر ميلا إلى “نسيان” الماضي أكثر من أولئك الذين شاركوا مباشرة في لحظة مؤلمة من التاريخ. وعلاوة على ذلك، “على المدى الأطول، يتوقف التحمل على اتفاق السلام على ما إذا كانت الأجيال المقبلة تقبل أو ترفضها، وكيف تتشكل اجتماعيا خلال عملية السلام.

للشباب القدرة أن يكونوا وكلاء اجتماعيين مستقلين وهم الأكثر ميلا نحو جمع وتشكيل جمعيات جماعية قد تمثل في بعض الاحيان تهديدا حيث يمكن تعبئة الشباب بسهولة للمشاركة في الأعمال التخريبية التي تؤدي إلى الصراع والعنف كمنتج ثانوي للتحديات الاجتماعية الراسخة والمستوطنة مثل ارتفاع معدلات البطالة لا سيما في المجتمعات الخارجة من نزاع طال أمده حيث الاستقرار ضروري تماما لإعادة البناء الاجتماعي، فإن استهداف الشباب كعناصر لبناء السلام يكتسب أهمية خاصة كما يمكن أن تكون مبشرا للسلام و اعادة الامان و اللحمة للمجتمعات التي مزقتها الحروب .بالإضافة إلى التعامل مع الصراعات بطرق غير عنيفة وأن ينشئوا مجتمعا يعيش بمصداقية من عدم العنف والتقدير المتعدد الثقافات. .

شهدت الآونة الأخيرة تحولا تدريجيا في نموذج وإطار الجهود المتضافرة الرامية إلى تعزيز دور الشباب كقادة نشطين وشركاء في عمليات السلام، فقد أطلقت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات غير الحكومية مؤخرا المبادئ التوجيهية بشأن مشاركة الشباب في بناء السلام مع الاعتراف بالدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه الشباب في هذا المجال.

لا يمكن النظر إلى تمكين الشباب كعامل نشط في بناء السلام دون النظر في التحديات التي يواجهونها بسبب النزاع المسلح مثل فقدان التعليم، نقص المهارات، تدمير البيئة الأسرية المستقرة وغالبا ما يتم تجاهل الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع للشباب في سياقات ما بعد النزاع حيث ينظر إليهم على أنهم مجموعة “ضعيفة”.

 

لتعزيز مشاركة الشباب في بناء السلام يتطلب اتباع

1) نهج قائم على حقوق الإنسان، يقوم على أساس اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وبرنامج العمل العالمي للشباب

 (2) نهج اقتصادي يحدد الشباب على أنه عنصر أساسي للتنمية الاقتصادية لبلدهم، ويعزز حصولهم على الفرص الاقتصادية باعتبارها أساسية لتنميتهم

 (3) نهج اجتماعي وسياسي يربط الشباب بالمجتمع المدني والساحة السياسية، ويتيح لهم الفرص والتدريب والدعم لمشاركتهم النشطة ومشاركتهم في الحياة العامة

 (4) اجتماعي ثقافي يحلل أدوار الشباب في الهياكل القائمة ويدعم الحوار -بما في ذلك الحوار بين الأجيال -حول هذه الهياكل

ولتحقيق نتائج ايجابية لابد من وضع استراتيجية واضحة وقابلة للتحقيق لإشراك الشباب كقوة إيجابية للتغيير من خلال

 1-زيادة التمكين الاقتصادي للشباب

 2-تعزيز المشاركة المدنية للشباب والمشاركة في صنع القرار والعمليات والمؤسسات السياسية

3-تعزيز مشاركة الشباب في بناء القدرة على الصمود

4ـ إدراج تعليم السلام على جميع المستويات وتعزيزه باعتباره أحد أهداف التنمية المستدامة وفرصة حاسمة للنهوض بتمكين الشباب من خلال ضمان الحريات الأساسية وضمان المساءلة ومشاركتهم في عمليات صنع القرار. ويفهم “تعليم السلام” هنا “التعليم من أجل السلام الإيجابي” ليس فقط غياب العنف أو الحرب، بل إن السلام الإيجابي يشمل احترام حقوق الإنسان، والتعاون، والإنصاف، والمساواة، وتعزيز التنمية المستدامة، والأمن البشري

5ـ دعم مزيد من البحوث الأكاديمية بشأن عوامل وأبعاد السلام الإيجابي، من خلال إقامة شراكات فعالة بين الدول والجهات الفاعلة غير الدول، إلى الترحيب بأكبر جيل من الشباب في جميع الأوقات: إذ يتعين على جميع الجهات الفاعلة في مجال التعليم أن تنضم إلى جهودها لتمكين الشباب من الحلم وبناء مستقبل أفضل ومستقبل والعدالة والسلام.
6 -تعبئة الشباب وإعادة الإدماج ومعرفة ما هو “سياق الوطن” الذي سوف يعاد إدماجهم فيه، سيكون أمرا حاسما بالنسبة لمسارات الشباب في بناء السلام

إن بناء السلام قضية تعني كل البلدان في مراحل النمو، خاصة الخارجة من حالة الصراع حيث يساعد في إنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية وقضائية جديدة وهو بمثابة القوة الدافعة نحو التطور، بتبني استراتيجيات سياسية، أمنية وهيكلية وإشراك فواعل دولية ومحلية بضمان المشاركة النشطة والمنهجية والهادفة للشباب في قضايا السلام والأمن ضرورة ديمغرافية وديمقراطية، وهي أيضا وسيلة لمنع نشوب الصراعات المسلحة. إن الإقصاء الاجتماعي هو عامل مهم يؤدي إلى الانتكاس وإلى نزاع عنيف إضافة إلى ذلك، فإن المشاركة في صنع القرار تدعم قدرة الشباب على مواجهة الضغوط الاجتماعية، مما يعطيهم الشعور بالانتماء.