الادوار المعاصرة للمجتمع المدني: من الرصد الى المدافعة من اجل التغيير الايجابي

خضر دوملي * اظهرت السنوات العشرة الاخيرة قوة غير متوقعة لمؤسسات المجتمع المدني بمختلف قطاعاته – منظمات شبابية – مراكز ثقافية – نقابات – جمعيات ومنظمات غير حكومية فرق طوعية – فرق نشطاء ومدافعين لحقوق الانسان وتمثل ذلك بشكل اساسي في العمل المدني ومواجهة الازمات والتفاعل معها بصورة متسارعة ومن قبل مختلف القطاعات هذه بعيدا عن التاثر بالانتماءات ….
في الاونة الاخيرة ظهرت توجهات جديدة للمجتمع المدني لكي تتلائم وواقع التطورات المجتمعية وخاصة تلك المجتمعات التي خرجت من النزاعات او لم تشهد الاستقرار او لنقل انها في طريقها للاستقرار ….. تمثلت تلك التوجهات بالعمل بشكل منظم ووفق مسارات واضحة ومستمرة على ما يلي :
اولا – القضايا الانسانية : بدأت القضايا الانسانية المختلفة تأخذ مساحة واسعة في اهتمامات المجتمع المدني حتى وأن كانت تلك المسائل خارج الحدود او خارج البيئة الاجتماعية .. واصبحت الشؤون الانسانية هي الاساس في قياس مستوى نجاح المنظمات وتطورها وسبيلا للحصول على الدعم والمساندة. ومنها يأخذ المؤسسة الثقة والمصداقية.

ثانيا – القضايا التشريعية : تشكل القضايا المرتبطة بالتشريعات والقوانين والقرارات مساحة كبيرة من تطور ادوار المجتمع المدني – باعتبار ان التشريعات ومراقبة تطبيقها وملائمتها لواقع التطور وقضايا حقوق الانسان والعدالة المجتمعية هي الهدف الاسمى للمجتمع المدني.
وتوسع الامر لتدخل المجتمع المدني ليصبح شريكا فاعلا في اعداد مسودات القوانين والقرارات ويمنح له الحق في مراقبتها او العمل على تطويرها.
ثالثا – توجه قدرات الشباب للعمل من اجل التغيير الايجابي : تعد مسائل العمل لاحداث التغيير الايجابي للمجتمعات من المسارات المهمة والحديثة بالنسبة للمجتمع المدني، ويتم التركيز في تعزيز الواقع الايجابي و اتباع السبل الحديث لاحدث التغيير المجتمعي من خلال توظيف قدرات الشباب والعمل معهم على المدى البعيد وفق استراتيجيات تتلائم و التطورات المجتمعية الحديثة – التكنولوجيا – الاحتياجات – التواصل الحضاري.وانعكس هذا الامر كثيرا في انشاء الفرق الطوعية او فرق المدافعة والرصد والدعم وفق الاسس المدنية.
رابعا – المرأة بعيدا عن المدن الرئيسة: يقال او هناك تهم موجه للمجتمع المدني بأنه يعمل بكشل مكثف في المدن وينسى القرى والارياف – ويتصور النساء بأن إحداث التغيير في واقع المرأة يبدأ بالقرى والارياف لأنها التي تتأثر بالرؤى الضيقة وليس لها نصيب من المشاريع الصغيرة او دعمها في التعليم والحقوق البسيطة … كما أن هذا التوجه تزداد أهميته في مراحل ما بعد النزاعات والصراعات التي يكون هناك تأثير للعامل الديني والاعراف الاجتماعية ..
خامسا – قضايا التنوع والتعددية الدينية: بعيدا عن السياسية وقريبا من الواقع اصبحت مسالة العمل على تعزيز التنوع والتعددية مسؤولية كبيرة امام المجتمع المدني – خاصة ان اقرار التنوع والتعددية وتنميته بات معيارا لتقدم ورقي المجتمعات وعاملا رئيسا من عوامل الاستقرار … كما ان قضايا التعددية والتنوع أخذا مساحة كبيرة من الحراك السياسي مما يفرغها من معناها لذلك لابد للمجتمع المدني ان يتحرك لكي يتم العمل على هذه القضايا بالشكل الصحيح ووفق الرؤية الواقعية …..
سادسا – التمثيل والمشاركة المجتمعية والسياسية : هي ثلاث مسارات في آن واحد – الاول يتمثل بمستوى ونوعية التمثيل للمكونات – المجتمعات – الاقليات في الادارة ومؤسساتها والثاني المشاركة المجتمعية بين الطرفين اي التشاركية في الفعاليات المدنية والاجتماعية والثالث التمثيل السياسي للمكونات ومراعاة مكانتهم ووزنهم وحقوقهم في التشريعات والقوانين.
سابعا – معالجة الاثار الناتجة عن النزاعات : لا يعني تنفيد فعالية او مبادرة مدنية – او مشروع صغير لمساعدة الضحايا المتأثرين بالنزاعات من ان مسؤولية المجتمع المدني تنتهي هنا بل يجب ان تتوسع لكي تتضمن مشاريع تعالج الاثار العميقة للنزاعات – الاثار غير المرئية للمجتمع و التي لها اثر يستمر سنين طويلة .. المجتمع المدني الان الاداة الفاعلة للعمل على معالجة اثار النزاعات، لن الاطراف السياسية توجه بوصلة المشاريع حسب رغباتها ورغبات المتنفذين .. او كجزء لتحسين صورتها ام اتباعها كونها السبب او المسبب للنزاع.
ثامنا – التنمية المجتمعية : تعتبر مسألة التنمية المجتمعية واحدة من المسارات القديمة من مسؤوليات المجتمع المدني ولكنها تطورت في الاونة الاخيرة لكي تصبح جزء من خطط ومسارات الدعم التي تقدمها المنظمات الدولية ايضا – وتشمل التنمية المجتمعية ملء الفراغ الحاصل من فشل الدور الحكومي في احداث التوازن في تنمية المجتمع ضم خططها الاستراتيجية لكي يقوم المجتمع المدني بذلك الدور والامثلة عديدة في هذا المجال خاصة ما يتعلق بدعم المجتمعات التي تتاثر بالقرارات الحكومية مثلا …
تاسعا – العمل التطوعي : مع تطور مسؤوليات المجتمع المدني واصبح هناك معايير دولية للعمل التطوعي و ارشاد وتوجيه من قبل المنظمات التابعة للامم المتحدة – اصبح العمل التطوعي معيار لنجاح المنظمة – انه ليس فقط الهاء وتمضية وقت بل تعليم غير مباشر وتشجيع للشباب لكي يستطيعوا اكتشاف مقدراتهم وفتح الطريق امامهم لكي يختاروا نوعية العمل الذي سيتفوقون به مستقبلا…. انه جزء من تنمية الاحساس الانساني لكي يتم تنفيذ نشاطات من قبل المتطوعين من منطقة لمنطقة اخرى تختلف عنها في اللون والدين والقومية ….
عاشرا – التربية والتعليم : ليس تقديم محاضرة او تنفيذ فعالية شبابية في مدرسة او جامعية يعني ان المجتمع المدني انتهت او تنتهي مسؤولياته هنا بخصوص التربية والتعليم بل يتعد الامر ليصل الى التمكين والمتابعة والتقييم والتدريب ومزج الخبرات و فتح الافاق لكي يكون الطلبة قد استوعبوا واقع المجتمع وتنفيذ المبادرات التي تعزز دور التعليم في تحقيق الاستقرار وبناء الثقة بين الناس والثقة بالاهمية المستمرة للتعليم وليس فسح المجال لكي يتجه الناس في القرن الـ 21 للمشعوذين ليتعالجوا من الامراض العضوية مثلا ….
حادي عشر – التواصل بين المجتمعات المختلفة ( التماسك الاجتماعي ) :
توسعت الفعاليات وازدهرت الافكار وتنوعت المشاريع بخصوص التماسك الاجتماعي ولكن العبرة ليس بعدد المشاريع وكميتها بل بنوعية المشاريع والاهداف التي تقف ورائها لتعزيز التواصل بين المكونات المجتمعية المختلفة في أنتمائاتها الدينية والقومية – السياسية والمذهبية – الاثنية والمناطقية – العشائرية او بين النازحين والمجتمعات المضيفة او اللاجئين والمجتمع المضيف.
ثاني عشر – قضايا الفئات المهمشة – المنسية : هي من المسؤوليات المستمرة وتوسعت كثيرا في الاونة الاخيرة لتصبح جزء حيوي من رؤية العاملين في المجتمع المدني وكيف يساهموا في رفع الصورة النمطية تجاه الفئات المهمشة وليس فقط تنفيذ فعالية او مبادرة تنتهي بأنتهاء رائحة القهوة او الشاي الذي يقدم مع الفعالية – هناك مسؤولية التمكين – الدمج الاجتماعي – الاقرار بالرفض المجتمعي وتوضيح الرؤية الخاصة بمكانة الفئات المهمشة وتأثيرها على الاستقرار العائلي .. هناك الالاف من ضحايا النزاع من النساء اللواتي تعرضن الى السبي والاغتصاب والتعذيب ومختلف صور الاساءة.
ثالث عشر – التحالفات المدنية : لايمكن ان تنجح المنظمات ومؤسسات المجتمعي المدني في مساعاها على الدوام منفرة او تفردا بالعمل – قد يستمر هذا الامر لفترة ولكن ليس دائما او ليس بكل المشاريع – وهو ما يعني ان تتوسع رؤية العاملين في المجتمع للنظر الى التحالفات المدنية من انها قوة لأحداث التغيير الايجابي – ومصدر لتوسيع الافكار وتوسيع مساحة التأثير او فكرة لتعزيز التواصل ونقل التجربة للمجتمع على مستويات دنيا …
لكن هناك نقطة مهمة يجب ان نعرف ان هذه المحاور ليست بقليلة بعضها بحاجة الى عمل قليل لفترة محدودة ومكان محدد وبعضها الاخر للعمل عليها لسنين طويلة ..
بعض هذه المحاور بحاجة الى حملات مدنية مركزة – العمل في القرى للسماح للمرأة بالتعليم او العمل خارج المنزل مثلا.. قد يقوم بالحملة شخص واحد – ناشط مدني او قد يقوم بها مدرس او مختار القرية عندما يتلقى الدعم والاسناد من المجتمع المدني ..
بعض هذه المحاور تحتاج الى تحالف وحملات توعية اعلامية مركزة – تسليط الاضواء على ضعف العلاقات بين المكونات المجتمعية مثلا.. ولكن يبقى الامر اكثر تركيزا عندما يتدخل او يدخل القطاع الحقوقي لحملات المدافعة
ويمكن ان يتم العمل على عدد من المحاور تجاوز الافاق بالتحالف بين النقابات والمجتمع المدني – مثلا العمل على قانون العمل والضمان الاجتماعي وتطويره …. هذه النوعية من المشاريع بحاجة الى حملات مدافعة مستمرة ومركز … الحقوقيون يصلون لمراكز القرار اسرع من المجتمع المدني احيانا – ويكون تأثيرهم اكبر اذا هم شاركوا وصمموا حملات المدافعة..
ويمكن ان يكون العمل بشكل أفضل اذا كان هناك عمليات رصد منظمة من قبل نشطاء المجتمع المدني – مراقبة عملية وفعلية لتشخيص الخلل – دون عمليات رصد منظمة لايمكن تنفيذ حملات مدافعة مؤثرة .. لكن تبقى المحاور الاهم للعمل عليها هي تلك التي تتطلب حملات مدافعة وتتمثل في : –
المدافعة في سبيل صياغة قوانين جديدة اولا – او حملات المدافعة للتركيز على حقوق ضحايا العنف ثانيا – وحملات ضحايا النزاع ثالثا، اذا ما نظرنا الى العمل الان فهو لايعادل حجم الماساة او تأثير النزاع على العلاقات بين المكونات.. واطراف النزاع – القضايا الكثيرة بحاجة الى حملات مدافعة كثيرة … هناك تغيرات مجتمعية كثيرة تتطلب حملات مدافعة مستمرة …
المجتمع الحي هو المجتمع الذي يقوم بتنفيذ الحملات المدنية وحملات المدافعة والمناصرة على مدار السنة – – – فالتطور يسبقنا والتغيرات تحيط بنا من كل جانب وهو ما يستدعي ان يكون المجتمع المدني بمستوى المسؤولية والتغيرات المتسارعة التي تحصل كل في المجتمع، وخاصة تلك الخارجة من النزاعات .
= قدمت هذه الافكار في محاضرة خاصة ضمن ورشة تدريبية اقامتها منظمة هارتلاند ( Heartland Alliance International) لأعضاء من نقابة المحاميين العراقيين صيف 2018 – اربيل
______________

* خضر دوملي – عضو مركز دراسات السلام وحل النزاعات في جامعة دهوك
مدير منظمة الاعلام المستقل – IMCK عضو شبكة الميسرين العراقيين – NIF.
– مدرب ومختص بشؤون المجتمع المدني – الاعلام – الاقليات والحوار والتعايش – حل النزاعات وبناء السلام والمصالحة – المرأة وشؤون النازحين.. Khidher.domle@gmail.com