التوترات الاجتماعية في مجتمعات ما بعد النزاع

التوترات الاجتماعية في مجتمعات ما بعد النزاع
مؤشرات عدم الاستقرار وفرص تعزيز الاستقرار
خضر دوملي*
التوترات الاجتماعية هي وجود عوامل التوتر والمؤشرات الناتجة عن تعامل المجتمعات المختلفة – الخارجة او المتأثرة بالنزاع مع بعضها التي تكون سببا الى اللجوء للعنف والعزلة الاجتماعية او عدم التواصل وانتشار صور وعبارات التحريض على الكراهية والتطرف او الصور النمطية التي تبدر من الافراد ، وكثيرا ما تكون فرصة لتوسعها وحصول انتهاكات وتجاوزات في حال عدم الوقوف بوجهها والتوعية بمخاطرها ….
في واحدة من المشاريع المهمة التي اشرفت عليه في السيلمانية نهاية 2019 بدراسة مؤشرات التوتر الاجتماعي في منطقة عربت / شرق السليمانية 40 كم التي تحتضن النازحين من مختلف المناطق العراقية / سنجار – تكريت – جرف الصخر – ناحية يثرب – ناحية العلم وسهل نينوى والموصل وكركوك و اللاجئين السوريين يمثلون مختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية ( العرب – الكورد – الشبك – التركمان // المسلمين – المسيحيين – الايزيدية // الشيعة و السُنة ) توافدوا أليه من مختلف المناطق بعد أحداث سيطرة تنظيم داعش على مناطقهم .. تم الاشراف على مشروع لمعرفة التوترات الاجتماعي الذي قامت به منظمة ( UPP منظمة جسر ألى الايطالية ) في سبيل تحديد أليات التعامل معها ومراقبة الانتهاكات الناتجة عن تلك التوترات ..كانت تجربة جديدة تعرفنا فيها على الكثير من المعلومات المهمة حول ما تتركه النزاعات من توترات بين المجتمعات المختلفة وخاصة التي تنتمي الى جماعات دينية وقومية وعرقية مختلفة .
ولأن التجربة كانت جديدة لاحظنا أهمية العمل المدني و مشاريع تعزيز التواصل بين المكونات المختلفة، وتم ملامسة تلك المؤشرات مباشرة بعد الشباب المتطوعين الذين تقدموا للعمل كفريق مراقبة طوعي يمثلون مختلف المكونات ..
من جانب أخر أوضحت عملية الرصد والمتابعة تأثير الصراعات السياسية بين بغداد واربيل وفي العراق وسوريا و وانعكاس وتأثير الجرائم التي أرتكبها تنظيم داعش و ايضا الصراعات القومية التي أمتدت أنعاكاساتها في العلاقات بين افراد المجتمعات المختلفة التي تجمعت في كنف منطقة جبلية بعيدة لم يكن يتصور العربي القادم من جرف الصخر جنوب بغداد انها ستكون ملاذا آمنا له و لأبناءه او مواطنين يرحبون بأهالي سنجار يشعرون او يتصورون انهم سيتلقون الرعاية و التعاطف معهم ، ولأبناء الموصل و سهل نينوى وتكريت كانوا يتصورون انهم سيجدون فرص العمل و التفكير بالاستقرار على المدى البعيد هناك .

تحديد مؤشرات التوتر الاجتماعي :
بما ان موضوع تحديد مستوى التوتر في هذه الحالة // مجتمعات مابعد النزاعات // لاتشبه تلك التوترات النفسية الناتجة عن الرهاب و القلق .. ولكن في كثير من الاحيان هناك تشابه في الاعراض التي تبين حصول القلق و التوتر وما ما تسفر عنه من نتائج سلبية تؤثر على قرارت الفرد وتصرفاته واصدار أحكامه وطريقة تعامله مع الاخر المختلف عنه .
في الجانب النفسي يعتبر التوتر الاجتماعي : الاضطراب القلق الاجتماعي(SAD) (أو الرهاب الاجتماعي بأنه ) نوع من الاضطرابات التي تحدث للفرد عندما يتعرض للحديث لأول مرة أو حتى بعد فترة من معرفة اشخاص جدد ينتمون لمجتمعات لا يعرفهم فيشعر بالخوف والتوتر الزائدين وأحيانا تصبح مستوى من القلق الملازم له و تؤثر على تصرفاته وافعاله، وفي المواقف التي يشعر فيها الشخص أنه تحت المجهر أو المراقبة و المتابعة أو داخل حلقة التركيز وأن الكل ينظر إليه بسبب طبيعته و سلوكه او تصرفه الذي كثيرا لايشبه تصرفات المجموعة التي استقر بيها ، فيخاف أن يظهر عليه الخجل أو الخوف او القلق و تراجع في التواصل والاندماج ويبدو مرتبكا ويفضل العزلة من التواصل الاجتماعي .
يأتي موضوع مراقبة التوترات الاجتماعية للمجتمعات حديثة التشكل – نتيجة نزاعات – نزوح قسري او توافد اللاجئين والنازحين الى مناطق أمنة ومستقرة من الاولويات التي تساعد على الاختلاط والتفاعل فيما بين الافراد والجماعات تدريجيا ، كما انها من الجوانب المهمة التي تبين اهمية برامج التماسك الاجتماعي بمختلف مستوياتها..
لذلك يكون موضوع مراقبة التوترات الاجتماعية اكثر وضوحا و ضرورة في تواجد مجموعات سكانية مختلفة في الانتماءات وايضا المجتمعات التي تشهد توافد لاجئين – نازحين ومجتمع مضيف يمثلون مختلف الانتماءات تبين مستوى الاستقرار في منطقة واحدة ذات خصوصية مختلفة عن المجتمعات الوافدة اليها وهو الحال الذي على أساسه تم رصد هذه الحالة في منطقة عربت بمحافظة السليمانية التي تعتبر مركزا لتجمعات سكانية من مختلف المكونات الدينية والقومية او المذهبية .
على ضوء ما تم الاشارة اليه فأن التوترات الاجتماعية هي نتاج افعال وتصرفات – الممارسات الحياتية اليومية التي تحصل في الشارع بسبب اختلاف اللغة او صعوبة التفاهم او عدم معرفة المجتمعات الوافدة باساليب الحياة وطرق العيش للمجتمعات المضيفة او مع بعضها.
ووفقا لما اشرنا أليه تحصل التوترات الاجتماعية نتجية افعال والمساهمات والاعمال التي تؤدي بالنتيجة الى حصول المشاكل بين المكونات المجتمعية نتيجة تاثر الخدمات وتراجع فرص العمل او تضارب وتقاطع العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية / الجيرة والسكن – العمل المشترك – الزواج او الفعاليات المدنية التي تنتج عنها خطابات وصور الكراهية – قد تؤدي الى العنف وعدم اللجوء الى المؤسسات القانونية التنفيذية..


ويمكن ايضا الاشارة ان الاضطرابات والقلق والتوتر الاجتماعي للافراد حديثي الاندماج بالمجتمعات الجديدة تتوضح من خلال :
• اولا – الخوف من المواقف التي تظهر من الاشخاص الذين لايعرفونهم و لديهم تصورات مسبقة تجاههم .
• ثانيا – الخوف والقلق من التفاعل و التحدث الى الغرباء نتيجة عدم معرفة سياقات التعامل او خوفه من أن يثير سخريتهم .
• ثالثا – تجنب الاختلاط نتيجة قلقه من أن يلاحظ الناس أنه غريب ولايتقن اللغة المحلية للمجتمع الجديد الذي أصبح مستقر بينهم .
• رابعا – القلق و الخوف من الاختلاط والاندماج مع المجتمعات و الخوف من عدم التعامل معه بسبب أنتمائه وتأثير المواقف السياسية على تصرفات الطرفين.
• خامسا – القلق الدائم من التعرض للأحراج نتيجة أتخاذ موقف من الشخص بسبب جنسيته و طريقة تصرفه او لباسه.
• الحرمان من المشاركة الاجتماعية و الفعاليات المدنية ويفضل غالبية الاشخاص الذين يتعرضون لهذه المواقف البقاء وحيدا
• توقع الاسوء نتيجة أختلافه في مواقفه مع الاخرين على اساس الجنس / اللغة / الدين / القومية / الانتماء المذهبي وحتى المناطقي.

أهمية مراقبة التوترات الاجتماعية لمجتمعات مابعد النزاع :
تعتبر مجتمعات مابعد النزاع هي تلك المجتمعات التي تتشكل او تتجمع في منطقة واحدة وينتمون لعدة مكونات مجتمعية أصبحوا يجاورون بعضهم البعض نتيجة الاثار الناتجة عن النزاع أو نتيجة النزوح و السكن في مناطق تشهد التعددية بسبب توفر فرص الاستقرار والامن أو نتيجة سياسات وخطط حكومية لمعالجة الاثار الناتجة عن النزاع وخاصة النزاعات الداخلية . وقد تختلف هذه المجتمعات في أنتمائاتها و هويتها الثقافية ولذلك تكون المسألة الخاصة بمراقبة مستوى الاندماج والتواصل الاجتماعي معيارا مهما لمعرفة مستوى الاستقرار الاجتماعي.

أن مراقبة التوترات الاجتماعية لاتعني الانتقاص او التقليل من فرص الاندماج المجتمعي أو أهمية وجود مبادرات التماسك الاجتماعي بل تشخيص التحديات وفرص الاستقرار والعوامل التي تقف في طريق الاستقرار الاجتماعي وكيفية التعامل معها وتجاوزها بالطرق السلمية .
و على هذا الاساس فأن جود التوتر الاجتماعي يعني :
الخوف من التعبير عما تعاني منه .
يعني عدم التواصل ….
يعني عدم الثقة …
يعني قلة الرغبة بالاختلاط …
يعني العزلة الاجتماعية …
ولكي يتم تحديد أليات تشخيص مسببات التوتر لاد أن تتركز مسارات مراقبة التوترات الاجتماعية التي تنتج من عدم التفاهم بسبب اللغة او الجنس او العرق من قبل : النشطاء المتطوعين – المختصين – الصحفيين وراصدي انتهاكات حقوق الانسان .. على ما يلي :
اولا – مراقبة الافكار العنصرية والتحريض على العنصرية.
ثانيا – مراقبة ورصد حالات التجاوزات على الافراد من المجتمعات المختلفة – التصنيف على اساس الهوية القومية او الدينية او الاثنية .
ثالثا – مراقبة التوترات او حالات التجاوز والانتقاص التي تحصل للافراد – المجتمعات بسبب تصوراتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية.
رابعا – مراقبة حصول التجاوزات التي تحصل في القطاع الاقتصادي – التجاري او القطاع الخاص وما هي خصوصيتها ونوعيتها وما يتعلق بسوق العمل.
خامسا – مراقبة التوترات الاجتماعية الخاصة بالمواقف الحياتية المجتمعية والتي تؤدي احيانا الى انتشار العنف بين الافراد او الملاسنة الكلامية او التهديد او الانتقاص والتشهير المرتبط بحوادث تاريخية سابقة.
سادسا – مراقبة التوترات او التجاوزات التي تحصل للافراد بسبب انتمائاتهم الدينية والاثنية والتي تحصل عادة بسبب سوء الفهم او عدم معرفة الحقائق.
سابعا – مراقبة حصول التمييز في التعامل في المؤسسات مع الافراد من المكونات القادمة للاسقرار في المنطقة من خارجها – افراد مجتمعات اللاجئين و النازحين – والمؤشرات والنتائج التي قد تصبح سببا لنزاعات اجتماعية.
ثامنا – مراقبة التوترات الاجتماعية الناتجة عن التسابق على فرص العمل او هضم الحقوق في هذا القطاع وما يرتبط به من تجاوزات وردود الفعل التي أحيانا تتطور الى مشاجرات .
تاسعا – مراقبة التوترات التي تحصل على اساس الجنس – الجندر او التجاوز او يعتبر كل طرف تجاه الاخر من انه تجاوز على المعتقدات – التقاليد وما يتعلق بهما من افكار او شائعات او تصرفات وممارسات من فرد تجاه اخر… خاصة انه تم ملاحظة ان تأثير التوتر الاجتماعي وقلة الاندماج تؤثر على النساء أكثر بكثير من الرجال لأنهم يفقدون فرص العمل و التواصل أكثر من الرجال بحسب ما اشارت أليه عملية المراقبة والرصد والتقييم .
عند جمع المعلومات ورصد التوترات المجتمعية التي تحصل في مناطق مابعد النزاع لابد من الاخذ بنظر الاعتبار الاسس التالية :
مراعاة نوعية المعلومات ان تكون لها علاقة بواحدة من مسارات التوتر والهدف منه واضح و مؤشر الى حدوث او توقع حدوث خلاف او مشكلة – صراع او نزاع مجتمعي – خالية من الرأي الشخصي والاضافات التي تغير طبيعة الواقعة او تبدل المعلومة نوعية الخطاب او التصور والتشهير او الاساءة …
تنظيم المعلومة التي تتعلق بالانتهاك او التجاوز بحيث يتم فهم المشكلة بطريقة صحيحة والاسباب والنتائج التي تؤدي اليها في النهاية بما يساعد المتابعين والمختصين على معرفة اسباب التوتر و الخلافات التي تحصل بين الافراد من مختلف المكونات المجتمعية .

عليه فأن مراقبة التوترات الاجتماعية والعمل على أساسه لتنظيم المبادرات الاجتماعية الخاصة بتعزيز التواصل بين الشباب و النساء تتطلب ان تؤخذ بنظر الاعتبار المسارت أعلاه، في سبيل تعزيز التواصل الاجتماعي الذي يهدف الى تعزيز الثقة و الاندماج والتماسك الاجتماعي على مختلف المستويات ولتكون عاملا لأستقرار المجتمع و تنمية فرص العمل بمساواة و تحقيق العدالة الاجتماعية والسلم المجتمعي .

كما أن تحديد وتشخيص عوامل عدم الاستقرار الناتجة عن وجود توترات أجتماعي يمكن العمل عليها كاساس لتنمية وتعزيز التواصل الهادف الى تنمية المشتركة وخلق لغة الحوار المجتمعي بالصورة التي تساعد على أن تتحقق مبادرات التماسك الاجتماعي أهدافها فيما اذا تم الاخذ بنظر الاعتبار مؤشرات التوتر وخاصة إشراك الشباب و خاصة النساء من كل المجتمعات في تلك المبادرات بما يعزز التواصل و التفاهم وتقبل الاختلافات .


*خضر دوملي : عضو مركز دراسات السلام وحل النزاعات في جامعة دهوك ومدير منظمة الاعلام المستقل و مدرب وباحث في بناء السلام والاعلام وقضايا الاقليات – تدريسي في قسم دراسات السلام وحقوق الانسان بجامعة دهوك – حاصل على الماجستير في حل النزاعات وبناء السلام وبكالوريوس في الصحافة . Khidher.domle@gmail.com

a